كيف نُطالِب أجسادنا بالتكيّف وهي في حاجة الإستقرار؟

كيف نُطالِب أجسادنا بالتكيّف وهي في حاجة الإستقرار؟

مقدمة :
الله سبحانه وتعالى عِندما خَلَقنا زَرَع في جميعنا الفِطرة، وهذه الفطرة هي المُحرّك للإنسان للبحث عن احتياجه الحاليّ، من أكلٍ وشُرب، ونومٍ وحُب ..
ومِن هُنا قد يتسلّل إلى أذهاننا تساؤل قد يبدو بسيط ولكنّه عميق: 
لِماذا في بعض الأيام نُلاحِق لُقمة تسدّ جوعنا، وفي أيامٍ أخرى نُلاحِق المعنى ؟
هذا ماحَاول عالِم النفس إبراهام ماسلو فِهمه وتفسيره ..
في هذا المَقال سنتعرّف، على نظرية العالِم النفسيّ ابراهام ماسلو وكيف رتّب إحتياجاتنا البشريّة بشكلٍ هرميّ من القاعدة إلى القمة، وسنُعيد تشكيلها كخارِطة تخدِم المُصاب بالسكري النوع الأول في تحسين إدارته لـ داءه وتُساعده للوصول لمرحلة جيّدة من التكيّف النفسي والجسدي ..
 
بدايةً، لنتأمّل :
كيف لِبعض البشر أن تكون سيرتهم مكلّلة بالنجاحات، بينما آخرون بالكادِ تُذكر لهُم إنجازات؟
وكيف أن البعض يعيش حياة هانئة هادئة، والبعض الآخر يعيش في صراعٍ دائم للبقاء في هذه الحياة؟
هل الفرق في القُدرات؟ أَمْ أن السرّ في عدم إشباعهم لإحتياجات قد تردّهم عن بلوغ الذات ؟

التأمل السابق دفع العالِم (إبراهام ماسلو) في طرح سؤال جوهريّ :
لِماذا في علم النفس ندرس الخلل والإضطراب حصرًا؟ لماذا لا ندرس الأصحّاء ومَن وَصَلوا حياة الهناء؟ 
لَم يكُن سؤاله بدافع الفضول فقط، بل رغبةً في فهم البنية النفسية لِمَن ارتقوا، ليرسم من خِلالهم خارطِة إن سَلَكها الإنسان قد تُعينه في بلوغ ذاته ..
بدأ ماسلو رحلته بمراقبة الناجحين والمُنجزين، أمثال ألبرت اينشتاين وغيره، ولاحظ وجود شيء مُشترك بينهم، وهو وصولهم لمرحلة تُسمّى بتحقيق الذات أيّ أنّهم استثمروا إمكانياتهم وبلغوا الصورة الأفضل من أنفسهم، وبعد تعمّق أدرك ماسلو انّهم ما كانوا ليصلوا إلى مستوى تحقيق الذات دون أن يعبروا مراحل متعدّدة من الإحتياجات المُلبّاة ..
من هنا بدأ ماسلو في ترتيب الإحتياجات من الأبسط والأكثر إلحاح، صعودًا إلى الأصعب والأكثر سُموّ ..

إلى أن تَوصّل إلى نموذج هرميّ يجسّد الإحتياجات البشريّة في خمس مستويات، تبدأ من :
احتياجات البقاء الفسيولوجية كالطعام والماء والهواء والنوم، ثمّ تتدرّج إلى الأمان كالأمان النفسيّ الجسديّ والوظيفي، ثم الانتماء والاحتياجات الاجتماعيه، ثم التقدير الداخليّ والخارجيّ، وصولًا إلى القِمّة وهي تحقيق الذات سُميت هذه النظرية بـ (هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية) ..
ومُنذ ذلك الوقت أصبحت هذه النظريّة من أهم النظريات في علم النفس، وتطبيقاتها لم تنحصر في مجال واحد، بل اِستُخدِمت في عدّة مجالات للوصول لأفضل النتائج ..

 إعادة تشكيل هرم الإحتياجات الإنسانية :
بعد أن فهمنا تسلسل الاحتياجات كما رتبها ماسلو، الآن سنُعيد تشكيل الهرم بمسمّى هرم إحتياجات مصاب السكري النوع الأول بالتدرّج الهرميّ ذاته، فمُصاب السكري النوع الأول تتدرّج احتياجاته تدرّج هرميّ فسيولوجي، نفسيّ، اجتماعيّ كما أشار ماسلو في نظريته الشهيرة ..
فلنبدأ من حيث يبدأ كل شيء، الجسد واحتياجاته للبقاء الحياتيّ ..

 المستوى الأول من الهرم هو الإحتياجات الفسيولوجية :
جميعنا نعلم أن العِلم إلى الآن لَم يتوصّل لعلاجٍ نهائيّ لداء السكري، فلهذا السبب مع بداية التشخيص بالسكري النوع الأول نكون بحاجةٍ للإستقرار الجسديّ، والإستقرار يبدأ من، الخُطّة العلاجيّة الصحيحة من قِبَل الفريق الطبّي، ولابُد من صِحّة التثقيف السكريّ، وإستخدام الانسولين بالشكل الصحيح، والجسد بحاجة لنومٍ كافٍ وغِذاء واعٍ ..
وهذا المستوى رُغم بساطته إلّا أنه الأساس، إن أُشْبِعت هذه الإحتياجات، ستبدأ بإذن الله بالصعود في سلّم التعافيّ والتشافيّ ..

المُستوى الثاني، الحاجة للأمان : 
بعد إشباعك لإحتياجات الجسد، ستشعر بحاجة ماسّه للأمان، لا يمكنك التركيز او تطوير نفسك بِلا أمانٍ جسديّ أو نفسيّ أو طبيّ ..
فالبعض من المُصابين يتوقفون عند المستويين الأولين، والسبب في ذلك ليس عدم رغبتهم في التطوّر والنمو، بل لأنهم يعيشون عِراك يوميّ للنجاة وأولويتهم مازالت في البقاء لا النمو ..
احتياجات الأمان عِدّة، اوّلها وجود خطّة واضحة لتفادي الإنخفاضات والإرتفاعات، وضرورة صِحّة المُعامِلات (مُعامل الكربوهيدرات، ومعامل التصحيح)، وتوفّر الأدوات الطبيّة بكميّات، وتجاوب الفريق الطبيّ لجميع التساؤلات، وطمأنتك عن مستقبلك القريب والبعيد بِرفقة هذا الداء، والدعم النفسي مِن قِبَل الخُبراء ..

 المستوى الثالث، الحاجة للإنتماء : 
بعد شعورك بالإطمئنان والأمان، ستكون بحاجةٍ ليد تُربّت على كتفك، لن يكفيك إدارة داءك ولا إستقرارك، ستكون بحاجة للحب والإنتماء :
كأن تُكوّن علاقات لا تستثنيك مِن عَالَم الأصحّاء، وإنعدام الوصمة المُتعلّقة بهذا الداء، ولا تنمّر أو شفقة مِن قِبَل الزُملاء، وأَلّا تُكبّل بحمايةٍ مُفرِطة من الأُمّهات أو الآباء، وأن تنضمّ لمجموعات دعم لِمَن هُم مُصابون بهذا الداء، أن تنخرط بمُجتمع المصابين بالسكري النوع الأول في الواقع أو في المواقع ..
فحينما تتواجد في بيئة لا تُشعِرك بالإستثناء، ستعلو لإشباع إحتياج آخر للإرتقاء ..

ستعلو للمستوى الرابع وهو حاجتك للتقدير:
حاجتك للتقدير أيّ أن يُرى جُهدك، اسمك، لا داءك، أن يُقال: أحسنت في عملك، لا (رُغم إصابتك أنجزت!) ..
ولا شيء اسوأ من أن تكون مُقدَّر ومحترم من قِبل الأشخاص، ولكن لا احترام ولا تقدير من ذاتك لإنجازاتك، فالتقدير يبدأ داخلي ليلحقه التقدير الخارجي، وحينما تُقدّر كإنسانٍ يعمل بجدّ، لا كحالة تُثير التعاطف، ستهدأ ويصفو ذهنك، وصفاءك الذهني سيجعلك تتساءل : عن مكانك الذي تنتمي إليه وما رسالتك التي ستقدّمها للعامّة وللمصابين، هُنا أنت في قمّة الهرم ..

وما هي القِمّة؟ هي تحقيق الذات :
مرحلة لا تصِل إليها إلّا بعد إشباعك لِما سَبَق، أن تحقق ذاتك أيّ أن تُبدِع في حرفتك، وتصنع هويتك بناءً على اختيارك لا إجبارًا من داءك، وتتحوّل هنا من مُتلقّي للدعم إلى مُلقي به، تتحوّل من مُتعلّم إلى مُعلّمٍ مُلهِم ..
ولا شكل موحّد لتحقيق الذات، فالبعض يحقق ذاته بمُساعدته للغير، والبعض الآخر يحقّق ذاته في العمل، ولوحِظ بأنّ من وَصَلوا لهذا المُستوى، أقلّ أنانية، وأكثر وعيّ وأقل بحثًا عن المكافآت الخارجيّة ..
 

 

هل من الضروري تلبية الاحتياجات بشكل متسلسل ؟
أمثلة من واقع المُصاب، للتوضيح : 
·       شابّ شُخّص حديثًا بالسكري النوع الأول، كُلّ ما يرجوه أن ينام بِلا استيقاظ بسبب عطش ارتفاع السكر في الدم، فهو هنا لا يبحث عن تقبّل مجتمعيّ، ولا انتماء عاطفيّ، بل بحاجة تمكين من فريقه الطبيّ، بحاجة هدوء فسيولوجي ..

·       وعلى النقيض، شابّه أمضَت سنوات في التعايش مع السكري النوع الأول، مُتمكّنه من إدارة داءها، آمِنه على أدواتها، واسِعة دائرة علاقاتها، ومُقدِّرة لذاتها، أصبَحت تسعى لبطولاتها، تمكّنَتْ ومَكّنت ..

 بهذين المثالين يتّضح لنا أن احتياجات المصاب بداء السكري النوع الأول متدرجة، لا تَقدُّم بالتجاوز التامّ، بل بإشباع ولو (جزئي) لإحتياجات كل مستوى، فكل مستوى يهيئ لِما يليه ..

خِتامًا:
 بعد أن تدرّجنا في هرم الإحتياجات من البقاء إلى الإرتقاء والعطاء 
ماذا نفعل حين نصل؟
إن وصَلت للقمّة فأنت وصلت بعونٍ من الله ومن ثمّ جهدك وإبرتك ..
تذكّر أنك مابلغت القِمّة لإستصغار من هُم في الأسفل لأنك في عُلوٍّ تجاوَزَهُم، بل لِتكون عون لهُم، فالقِمّة تتّسع لنا جميعًا مُصابين ومُصابات، آباء وأُمّهات .. 
وإن لم تصِل، عليك أن تعلم أن ماتمرّ به الآن ليس ضعفًا أو تقصير، بل هو إحتياج لَم يُشبَع بعد ..

 

 بقلم:
أ.هند القحطاني
أخصائي نفسي مساعد
مصابة بالسكري النوع الأول
البوم الصور
كيف نُطالِب أجسادنا بالتكيّف وهي في حاجة الإستقرار؟